شفاه مكتنزة، احمر شفائف، ورائحة عطر باريسي، ناحلة ، طويلةوبيضاء ..وكانت تختبيء ....: " اه يالملعون ..! "  قالها ، وسأل نفسه: ترى من كانت عنده البارحة ودخنت تلك السيجارة ؟! رائحة عطرها تملأ المكان. يشتهيها.. تتأوه من لذة،تحتضن رعشاته..دافعت عن نفسها أم  تمنعت قليلاً وسلمت نفسها له راضية قبل أن تدخن تلك السيجارة وتترك آثارها بين بقايا السجائر والرماد حيث وجدها مختبئة؟ لا يمكن أن تكون لسكرتيرته ! هي لاتدخن ، وفوق ذلك محجبة ..مديره هو الذي اشترط أن تكون ملتزمة ! ولكن هيت لك ! هو أيضأملتزم كما يبدو..يطلق لحيته، ويضع مصحفا فوق مكتبه داخل صندوق موشىً بالصَدف، ويضع سجادة الصلاة على ظهر الكرسي الدوار الذي يجلس عليه. وأيضًا لم يره يدخن ولامرةواحدة..اوحتى يصلي ! تجرأ  مرةوسأله :لماذا يضع منفضة سجائرطالما لايدخن؟  أجابه : "مش شغلك!" ."
  -وشوف شغلك"..  
 صارت منذ ذاك شغله الشاغل .ضيوف وزوارومراجعون  كثيرون يترددون على مديره .البعض يدخن ، والبعض لا...لم يعط الأمر أهمية..صحتهم وهم احرار بها،،إذا كانوا لايهتمون بها، فلماذا هو يهتم ؟!! لكنه كل صباح ينظف قذارتهم ..كل صباح قبل أن يداوم مديره يدخل المكتب ، يكنس الأرضية، يمسح الطاولة، وينظف منفضة السجائر الزجاجية المتسخة ويعيدها إلى مكانها لامعة مصقولة دون أن يكترث ....
إلا ذلك الصباح ! منذ ذاك صارت المنفضة شغله الشاغل  يعطيها اهمية اكثر من أي شيء آخر ..يحدق في كل عقب سيجارة . من خلال نوعها،  الآثار  التي عليها يعرف صاحبها إذا كان رجلاً، أو إمرأة ..غنيًا ، أو فقيرًا. عصبيًا، أو مرتاح البال . من علية القوم ، أو مثله في أسفل السلم .؟! هذا عقب سيجارة فاخرة لرجل غني بالتأكيد جاء يعقد صفقة مشبوهة مع المدير..لم يدخن إلا القليل منها قبل أن يطفئها ويشعل أخرى ..وهذا العقب لسيجارة من النوع الرخيص جدًا، لابد أن من دخنها بائيس جاء يطلب وظيفة يطعم منهاأسرته! تراه حظي بها ؟ أم أن مديره صرفه خائباً لأنه يدخرها لقريب له، أو لصاحب وساطة! مصها مصا حتى آخر نفس حتى كاد يحرق أصابعه وشفتيه!وهذا لسيجار من نوع كوهيبا بيهكي الفاخر، لابد أن من دخنه سفير أو وزير من أولئك الذين يدخنونه لمجرد التفاخر والمباهاة! ويدفعون فيه أي ثمن. سمع ذات مرة ان ورقه يلف على افخاذ البنات الكوبيات! : "ماذا جاء بمعالي الوزير وسعادة السفير بغير وقت الدوام ؟!! جاءا معاً أم منفردين..وأي مصلحة جمعت الثلاثة؟!!" وهذا العقب .....وهذا ....وذاك.....كل صباح ينظف الآذن  قصص هؤلاء واولئك الضاجة والصاخبة وسط أكوام أعقاب السجائر وبقايا الرماد المحترق  ..