ماأصعب  الكتابة على القلب و النفس والقلم عندما تكون عن موت صديق ، فكيف إذا كان ذلك عن زميل ورفيق حرف وكلمة ؟!
  تكون الكتابة أصعب،  والحزن أوجع من خبر الموت نفسه.لا تزيد ألمك إلا مزيدًا من الألم، ووجعك إلا فيضاً من الوجع ..
 ومع هذا ، لابد أن تتسامى على كل ذلك وتكتب .. 
ليس لأن الكتابة في مثل هذه الظروف، يمليها واجب العزاء نحو صديق عزيز فقدته ، بل أن الكتابة نفسها نوع من احتمال الألم، ووطأة الحزن على قلبك حتى لاينفجر...!
 سعيد عولقي ، إسم لايُنسى بسهولة..
ماأن تذكر "التركة"حتى يذكر معها كأنها (علامة مسجلة) عليه ! وهي كذلك بالفعل.
  لكن سعيد عولقي،ليس التركة وحدها ، تلك المسرحية
التي أخرجها للمسرح المخرج الشاب احمد الريدي  في مطلع السبعينيات من القرن العشرين الفارط لكنه كرس نفسه من خلالها كاتبًا مسرحيًا يجمع بين جدية الموضوع ، وكوميديا الضحك الهادف. 
  سعيد عولقي ...تاريخ من الإبداع عمره أكثر من نصف قرن ..
 ألف مسرحيات غيرها خلال مسيرته: "•"مشروع زواج".•"المهزلة الإدارية". •"القوي والأقوى".•"نداء الأرض".•"فوق الجبل".•"عودة الانتصار".
 لكن ولا واحدة منها نالت شهرة ومكانة مسرحيته الأولى "التركة "التي ما أن تذكر إلا ويذكر سعيد عولقي معها كأنه لم يؤلف غيرها !! وحتى عندما ألف جزءً ثانيًا من التركة لم تحقق نفس نجاح الجزء الأول !!وكأنها( بيضة الديك ) الذي لا يبيض إلا مرة واحدة في العمر !!  
   سعيد عولقي ، ليس الوحيد الذي عانى من هذه الحالة. أقصد ربط الكاتب بعمل وحيد دون بقية أعماله   
 الأخرى..         
 الكاتب العربي الكبير الطيب صالح ، رحمه الله عانى من نفس الحالة ..فلا يذكر إلا وتقفز إلى الذهن( موسم الهجرة الى الشمال ) التي أشهرته كروائى على المستوى العربي والعالمي مع ان له روايات أخرى لاتقل أهمية مثل ( عرس الزين ) و ( دومة ود حامد ) ( وبندر شاه ومريود) ، 
  سعيد عولقي ، تاريخ من الإبداع عمره أكثر من نصف قرن ،بين الكتابة للمسرح  في اليمن ، والرواية (السمار الثلاثة) ،والكتابة الصحافية (شقلبانيات)، ومن مؤسسي فرقة الجنوب للمسرح عام 1965، ثم من مؤسسي المسرح الحديث عام 1969وظل يكتب حتى بعد أن قارب الثمانين من عمره بأسلوبه الساخر ، وكأنه يثبت بذلك أن الإبداع ليس له عمر!!
 "يُنظر إلى سعيد عولقي على أنه من الأسماء المهمة في المسرح في بلادنا، لأنه لم يكتب المسرح بوصفه ترفًا فنيًا، بل باعتباره وسيلة للتعبير عن مشكلات المجتمع.  وقضايا الصراع الاجتماعي وسلطة العادات والتقاليد والتفاوت الطبقي والتحولات السياسية وأزمة الفرد داخل المجتمع". كما يؤكد ذلك الناقد الدكتور مسعود عمشوش في دراسة له عن مسرحية التركة ورواية السمار الثلاثة، يصل منها إلى  "أنه كاتب واعٍ بوظيفة الأدب في النقد والتصوير والكشف عن تناقضات الواقع. كما تكشف تجربته عن قدرة على توظيف الفن المسرحي والروائي في التعبير عن التحولات الاجتماعية والثقافية".
 
  تزاملناأنا وسعيد عولقي في العمل في صحيفة(14 اكتوبر ) في مطلع السبعينيات من القرن الماضي . كنت مدير التحرير ، وكان هو رئيس قسم التحقيقات ، وكان  الصديق العزيزمحبوب علي  اطال الله في عمره سكرتير التحرير وأصبح بعدها مديرا للتحرير ونقيبا للصحفيين اليمنيين. 
كنا جميعاً في عمر الشباب ، سعيد لايكبرني سوى بخمسة أعوام، لكن كانت تسبقه شهرته ككاتب مسرحي خاصة بعد النجاح الساحق الذي حققته مسرحيته ( التركة ) ، لكنه ابدًا لم يشعرنا ولو للحظة واحدة انه اكبر منا عمرًا، أو أنه مشهور بينما كنا في بداية مشوارنا الصحافي . بالنسبة لنا لم يكن إلا الزميل والصديق، وكنا أسرة واحدة متحابة.وظل على تواضعه الجم هذا حتى آخر لحظة من عمره ، بنفس تلك الإبتسامة التي تحمل مزيجًا من السخرية والرضى بالنفس ، وربما أشياء أخرى..!! ظل ذلك الإنسان الذي يعشق عدن ، مهما قست عليها وعليه وعلى ناسها الحياة ...
 وخارج العمل في الجريدة، كنا نلتقي في الأمسيات في مقر اتحاد الفنانين في كريتر مع نخبة من المهتمين بالثقافة والأدب والفن. أذكر منهم إلى جانب سعيد عولقي ، عمر الجاوي ، حسين السيد ، حامد جامع ، محمود أربد، محمد مدي ، فيصل محمد عبدالله، علي أحمد يافعي ، جمال الخطيب، فريد بركات، محمد فارع الشيباني ،وآخرين. ومن أجواء ذلك النادي الثقافي الذي يطل على شارع أروى استوحى روايته الوحيدة المطبوعة ( السمار الثلاثة). 
  كان سعيد عولقي منفتحاً على الحياة، وفيًا لأصدقائه  حتى في اقسى الظروف، ولمدينته عدن ، وناسها الطيبين ، يكتب عن همومهم، ويعبر عن معاناتها ومعاناتهم بشجاعة و صدق بقلم ساخر ، ورؤية ناقدة .
وهي سخرية لازمته في أغلب اعماله، وشجاعة لم 
تفارقه في كل حياته إلى درجة أنه احتفظ باسمه سعيد عولقي ! ولم يغيره حتى بعد أن حذف كثيرون قبائلهم من أسمائهم بعد الإستقلال، لكنهم احتفظوا في أعماقهم بأسوأ ما في القبيلة وليس بقيمها الأصيلة والنبيلة. 
سعيد عولقي احتفظ باسم قبيلته ، لكنه لم يكن إلا عدنيًا روحاً وحياة ، إبناً لمدينة عدن التي ولد في حي من أحيائها،  وتشرب قيم المدينة والمدنية .لم يحمل من القبيلة إلا اسم تلك القبيلة العريقة والأصيلة في شبوة . 
 أما بعض اولئك الذين تلونوا  وحذفوا قبائلهم من أسمائهم فسرعان ماعادوا إليها بعد أن تغيرت الظروف بحثًا عن مكانة جديدة في أوضاع تعيد انتاج القبلية في النفوس والمكانة وتستبدلها بقيم المدنية والحداثة.
وسعيد عولقي ظل ينتقد تلك الانتهازية في كثير من اعماله التي تنتقد تركة الماضي التي اثقلت الحاضر ولاتزال تلقي بظلالها على المستقبل .
  ● رحم الله سعيد عولقي ..
ولروحه السلام ...