صوت عدن / إيكونوميست:


في متابعتها للحرب التي تشنها الولايات المتحدة -إلى جانب إسرائيل– على إيران، تبدو الصين وكأنها تستلهم مقولة شهيرة منسوبة لنابليون بونابرت مفادها "لا تقاطع عدوك أبدا وهو يرتكب خطأ"، وتراهن على أن تلك الحرب ستسرّع وتيرة الانحدار الأمريكي، وتمنح بكين فرصة إستراتيجية كبرى.

ذلك هو تقدير المجلة البريطانية الإيكونوميست لإستراتيجية الصين وحساباتها في التعاطي مع الحرب على إيران، التي شنتها أميركا وفق حسابات إستراتيجية تهدف لإضعاف خصم إقليمي وإنهاء طموحاته النووية، وتوجيه رسالة حازمة إلى بكين.

وأوضحت المجلة أنه من خلال استعراض السيطرة المطلقة على شرايين الطاقة العالمية، وإبراز التباين بين التفوق العسكري الأمريكي والصمت الصيني، كان من المفترض أن تكون الحرب على إيران بمثابة رادع نهائي للصين الصاعدة.

لكن بعد مرور شهر على بدء الحرب، تشير الرؤية من بكين إلى أن واشنطن قد ارتكبت خطأً تاريخيا، وتنقل المجلة عن دبلوماسيين وباحثين ومسؤولين في بيكين قولهم إن الصين لم تشعر بالارتباك؛ بل إنها تراقب الموقف بارتياح وهدوء.

وتكتب المجلة -في افتتاحية نسختها الحالية- أنه التزاما بالمقولة الشهيرة المنسوبة إلى نابليون بونابرت "لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً"، تراهن بكين على أن هذه الحرب ستسرّع وتيرة الانحدار الأمريكي، بينما تمنح الصين فرصة إستراتيجية كبرى.

عقيدة "الأمن أولاً"

وحسب مسؤولين صينيين، فإن الحرب في إيران جاءت لتثبت صحة سياسات الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي واجه لسنوات انتقادات داخلية وخارجية بسبب إعطائه الأولوية للأمن القومي والاعتماد على الذات على حساب النمو الاقتصادي.

فبينما تتعثر الملاحة في مضيق هرمز، أثبتت قرارات الرئيس شي الاستباقية بتخزين النفط الخام -الذي وصل حالياً إلى احتياطي إستراتيجي قدره 1.3 مليار برميل- والتنويع السريع لمصادر الطاقة نحو الطاقة النووية والشمسية والرياح، أنه يعتمد رؤية بعيدة المدى.

وتوضح المجلة أنه في الوقت الذي يدفع الغرب ثمن "التهور" من خلال الارتفاع الصاروخي في تكاليف الطاقة، فإن الصين توفر لنفسها حائط صد عبر تسهيلات تجارة النفط الإيراني والاعتماد على الفحم المحلي.

ويراهن الرئيس شي على خطة مفادها أنه بينما تستخدم أمريكا النظام المالي والعسكري العالمي كسلاح، تعمل الصين على بناء نظام بديل ومستقل محصن ضد مثل هذه الصدمات.

مستنقع إيران

وينظر الخبراء الصينيون إلى التدخل العسكري الأمريكي في إيران ليس كعرض للقوة، بل كـ"تخبط" وتراجع في القوة، وهم يرون في تلك الحرب غياباً لضبط النفس وانعداماً تاماً لخطة "اليوم التالي"، وبالتالي فإن بكين لا تخشى انتصار أمريكا، بل تخاف من غرقها في مستنقع آخر بالشرق الأوسط يمتد لعقود.

وتتوقع بكين أنه مع استنزاف الموارد والأرصدة السياسية الأمريكية في الأزمة الإيرانية، ستتضاءل قدرة الولايات المتحدة على بسط نفوذها في بحر الصين الجنوبي أو الوفاء بالتزاماتها تجاه تايوان.

علاوة على ذلك، فإن الحلفاء الآسيويين الذين يعتمدون على الولايات المتحدة من أجل الاستقرار يعانون الآن من أضرار اقتصادية جانبية، مما قد يجعلهم أكثر حذراً من إغضاب الصين التي تبدو أكثر "موثوقية" و"واقعية".

استغلال الفراغ

وتتوقع بكين أن نهاية الحرب على إيران ستجلب سيلا من الفرص؛ فبصفتها شريكا موثوقا، تأمل بكين الفوز بعقود إعادة إعمار مربحة في منطقة الخليج، ويُتوقع من الدول التي أفزعها حصار مضيق هرمز أن تتوجه نحو تكنولوجيا الطاقة الخضراء الصينية، في وقت تقف فيه بكين مستعدة لتكون المزود الرئيسي لأمن الطاقة في العالم، بفضل فائض الإنتاج الهائل في ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشعر بكين بضعف موقف واشنطن وتأمل أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضعيف أكثر مرونة في قمة مايو/أيار المقبلة، بينما تهدف الصين للتفاوض على التراجع عن التعرفات الجمركية وضوابط التصدير.

كما تتطلع الصين لتخلّى الولايات المتحدة عن سياسة "الغموض الإستراتيجي" تجاه تايوان، سعياً للحصول على تصريح واضح منها يدعم "التوحيد السلمي"، وهي خطوة من شأنها أن تشكل تحولاً جذرياً في النظام العالمي، وفق منظور الإيكونوميست.

النظام والفوضى

ورغم ذلك التفاؤل، تشير المجلة إلى أن حالة من القلق تسود في الصين، إذ فوجئ الخبراء هناك باستخدام الجيش الأمريكي المتقدم للذكاء الاصطناعي في تنسيق العمليات الحربية بإيران، وهو ما ينبه الصين إلى إن الحرب تظل أمراً لا يمكن التنبؤ به، ويعزز حذر الرئيس شي بشأن أي غزو محتمل لتايوان.

من جهة أخرى تتخوف الصين من تفكك النظام العالمي بسبب أميركا التي قد تتصرف كـ"قوة مارقة"، بينما تتطلع الصين للازدهار في ظل نظام عالمي مستقر.

وحسب الإيكونوميست، فإن الصين تراهن بقوة على افتراض أن أمريكا ستفشل في الازدهار وسط الفوضى التي خلقتها، في حين يشير التاريخ إلى أن أمريكا تمتلك قدرة فريدة على إعادة ابتكار نفسها وسط الاضطرابات، بينما تظل الصين قوة حذرة ومقيَّدة بالأيديولوجيا الحزبية.

وخلصت المجلة إلى أن الحرب على إيران غيرت العالم بالفعل، وربما ليس بالطريقة التي أرادتها واشنطن، لكن المستقبل قد يكون من نصيب أميركا التي تتكيف مع حالة الاضطراب على حساب الصين التي تنأى بنفسها عن جميع أشكال الفوضى.