في عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم، أما إسرائيل فلمّت كل الشباب (أنا مثلاً انفرزت أربع أو خمس مرّات) ثم اعتقلت، ونقلتْ معظمهم إلى معتقل أنصار.. وهنا بدأ دور النساء. ولا أعتقد بإمكان أي فنان أن يجسّد ذلك الوضع الذي عاش في ظله أهالي الجنوب.
على الفور، بدأت الناس، والجثث في الشوارع، تعود إلى بيوت الزنك الذي انصهر، وتعمل مع أطفالنا على إصلاح البيت بالأحجار، بالخشب، تظلل أولادها من الشمس، تعمل كالنمل كي تعيد بِناء عُشَشِها التي تهدَّمَت. وكان شاغل إسرائيل والسلطة اللبنانية أيضاً أن تختفي هذه المخيّمات لأنها البؤرة الحقيقية للثورة، ولكن النساء والأطفال في "غيبة" الرجال في معسكرات الاعتقال أو المختفين من الرصد الإسرائيلي قاموا بإعادة بناء مخيم عين الحلوة.. شاهدتُ كيف كان الجنود الإسرائيليون يخشَون من الأطفال.. كان الإسرائيليون يخشَون من دخول المخيم، وإن دخلوه فلا يكون ذلك إلا في النهار.

عندما تركتُ لبنان منذ أكثر من سنة، كان مخيم عين الحلوة قد عاد.. الحائط الذي ينهدم يُعاد بناؤه ويُكتب عليه "عاشت الثورة الفلسطينية"، و"المجد للشهداء"، وفي تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيهٍ من أحد بل جاء تلقائياً، وكنوعٍ من الانسجام مع النفس. كان كبرياء الناس وكرامتهم يُمليان عليهم تلك المواقف، لأنه في حالات كثيرة كان الإنسان يتمنى الموت. الإسرائيليون أوصلونا إلى حالةٍ نفسيّةٍ من هذا النوع. كنا قد تجاوزنا مرحلة الخوف والهلع. وكان الخط الفاصل بين الحياة والموت قد سقط.

                "حكايات ورسومات ناجي العلي"