تعبُ المشوار… حين يثقل الطريق ولا يسقط الحلم قراءة في الحالة الجنوبية بين الإرهاق السياسي وصلابة المشروع
ليس أخطر ما يواجه القضايا الوطنية هو الخصوم،
بل الإرهاق الذي يتسلل إلى داخلها بصمت.
في اللحظات التي يطول فيها الطريق، وتتراكم التعقيدات، وتتبدل الحسابات الإقليمية، يبدأ سؤال مرهق بالتشكل: هل ما زال المشوار قابلاً للاستكمال؟ أم أن التعب صار أثقل من الفكرة نفسها؟
الحالة الجنوبية اليوم تقف في هذه المنطقة الرمادية.
مشروع سياسي لم يُهزم، لكنه لم يُحسم.
حضور شعبي ثابت، لكنه مُتعب.
قيادة ما تزال في الميدان، لكنها تواجه بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
التعب ليس هزيمة
من السهل الخلط بين الإرهاق والانكسار.
لكن الفارق جوهري.
التعب يعني أن الطريق كان طويلاً.
أما السقوط فيعني أن الفكرة فقدت قدرتها على البقاء.
والجنوب – بكل ما شهده من تحولات – لم يفقد حضوره في المعادلة السياسية.
بل على العكس، أصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص اليمن أو أمن الإقليم.
ما حدث ليس انهيار مشروع،
بل احتكاكه بحدود السياسة الإقليمية وتشابكات المصالح الدولية.
المعركة التي لا تُرى: معركة السردية
اليوم لا تُدار المواجهة فقط في الميدان،
بل في غرف التحرير، وعلى المنصات الرقمية، وفي صياغة العناوين.
حين تُروى الحكاية بلغة الخصوم،
يتحول التعب إلى دليل ضعف،
والتريث إلى تراجع،
والمراجعة إلى ارتباك.
المشكلة ليست في النقد،
فالنقد ضرورة لأي تجربة سياسية ناضجة،
لكن المشكلة حين يتحول النقد إلى إعادة إنتاج لروايات تستهدف شرعية القضية ذاتها.
القضية الجنوبية ليست بحاجة إلى خطاب تعبوي أجوف،
ولا إلى جلد ذات مستمر،
بل إلى اتزان يُدرك أن المعركة اليوم معركة معنى بقدر ما هي معركة قرار.
التدخلات الإقليمية… وحدود الممكن
لا يمكن قراءة المشهد الجنوبي بمعزل عن التدخلات الإقليمية والأمنية الجارية على الجغرافيا الجنوبية.
الجنوب يقع في قلب ممرات بحرية استراتيجية،
ومعادلات أمن البحر الأحمر وخليج عدن ليست شأناً محلياً خالصاً.
كل مشروع سياسي في هذه المنطقة سيتقاطع حتمًا مع حسابات كبرى،
وهذا لا يُبطل المشروع، لكنه يفرض عليه مهارة أعلى في المناورة،
وصبراً أطول في إدارة التوازنات.
المشكلة ليست في وجود المصالح الدولية،
بل في كيفية التعامل معها دون التفريط بالثوابت أو الانزلاق إلى صراعات جانبية تستنزف الداخل.
بين الضجيج والصبر الاستراتيجي
القضايا الكبرى لا تُحسم بدورة خبر،
ولا بتفاعل منصة،
ولا بحملة إلكترونية.
هي مسارات طويلة،
تتعثر، تتباطأ، تتعرض للضغط،
لكنها تستمر إن امتلكت قاعدة اجتماعية حقيقية.
والجنوب يمتلك هذه القاعدة.
ما يحتاجه الآن ليس مزيداً من الضجيج،
بل خطاباً يعيد ترميم الثقة،
ومراجعة هادئة للأخطاء،
وانضباطاً إعلامياً لا يسمح بتحويل التباينات الطبيعية إلى انقسامات قاتلة.
الخلاصة
نعم… تعب المشوار واضح.
لكن المشوار لم ينتهِ.
المطلوب اليوم هو وعيٌ يحوّل الإرهاق إلى نضج،
لا إلى صراع داخلي.
وموقفٌ سياسي يدرك أن الزمن الإقليمي معقد،
لكن المشاريع التي تملك جذوراً شعبية لا تسقط بسهولة.
الجنوب ليس على هامش التاريخ،
ولا خارج معادلات الإقليم،
بل في قلبها.
وهذا الموقع يمنحه ثقلاً… كما يحمّله مسؤولية مضاعفة.
التعب محطة،
لا خاتمة.
والفارق بين مشروع يتآكل ومشروع يتقدم،
هو قدرة أبنائه على إدارة اللحظة…
بهدوء، ووعي، وصبرٍ يعرف أن الطريق الطويل لا يُقاس بخطوة واحدة.