عبيد الحمر.. يصلح لزمن آخر ...!
في الثاني من رمضان ودعت الديس الشرقية عبيد عوض الحمر ، ولم تنعه أية جهة رسمية أو غير رسمية، سوى الهيئة الإدارية لجمعية التراث والآثار بالديس الشرقية- حضرموت.
لم يكن عبيد الحمر نكرة، بل من أولئك الرجال الذين يعملون بصمت وبدون ضجيج، بعيدًا عن الأضواء والإعلام . وحتى عندما شغل منصب وكيل وزارة الماليةوعضوا في هيئة مكافحة الفساد، وهما منصبان أختير لهما لكفاءته ونزاهته وشخصيته القوية ، بالكاد سمع به أحد.
عمل بصمت وبما يمليه عليه ضميره الإنساني والوطني والوظيفي .
كم يبدو حزيناً مؤلمًا موت إنسان بهذه الصفات التي نفتقد إليها في هذا الزمن الرديء...؟!
وكم هو مؤسف أن تفقد في عز موجة الموت،رجلاً تحبه وعرفته يومًا في زمن قل الوفاء وضياع القيم ، ويكرم فيه اللصوص والقتلة ويقدمون للناس بأنهم أبطال !
عبيد الحمر ، كان إنسانًا من نوع آخر. لاينتمي إلى نوع رجال الدولةالذين عرفناهم في زمن أكل فيه الفاسدون كل شيء، وأحدثوا فيه الثقوب في جسد دولة مزقتها الحروب ، وأنهكها حكامها ، حتى أصبح من الصعب رتق جروحها النازفة، أو إنقاذ خزائنها الخاوية!!
لايكبرني عبيد الحمر سوى بعامين ، فهو من مواليد الديس الشرقية سنة 1947م، مثلي تلقى فيهاتعليمه الإبتدائي ، لكن لم نكن زملاء دراسة،والمتوسطة (الإعدادية)بمدينةالشحر،ولتفوقه العلمي حصل على منحةدراسية فدرس بثانوية الشويخ في دولة الكويت الشقيقة.
وعندما يعود هووالدارسون والمغتربون من أبناء بلدتنا من الكويت، وغالبًا مايكون ذلك في فصل الخريف، كنا ننظر إليهم بانبهار ونتمنى أن يأتي يوم نسافر فيه إلى الكويت للدراسة أو للعمل ، بعد أن صارت وجهة الحضارم في سنوات الستينيات من القرن الماضي بعد أن أصبحت دولة نفطية،بدلاً من عدن التي أخذت تفقدتدريجيًا
مركزها المرموق كسوق للعمل يقصدها الناس من كل مكان،و الذي عُرفت به لعقود طويلة !
كان عبيد الحمر من أولئك الطلبة المتفوقين الذين جعل من التفوق هدفًا له ، ومن أجل العلم لديه الإستعداد ليذهب إلى أبعد مدى، فواصل دراسته الجامعية، وحصل "الماجستير" من ألمانيا الديمقراطية ، وعمل في وزارة المالية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وقد عرف بنزاهته وكفاءته العملية وشخصيته القوية التي جعلته يشغل منصب وكيل وزارة الماليةفيما بعد.
وبعيدًا عن لغة المال والأرقام كان لعبيد الحمر أنشطة خيرية واجتماعية -كما جاء في نعي جمعية الأثار والتراث في الديس الشرقية-،من خلال جمعية حضرموت وجمعية أهالي الديس الشرقيةوضواحيها وهو يعتبر أحد مؤسسيها وله العديد من المتابعات ومساعدة أبناء حضرموت في إنجاز المشاريع الخدماتية.
وفي الرياضة له دور كبير في تأسيس نادي "إتحاد الشبيبة" في الديس الشرقية، ويعتبر أول من اقترح إطلاق هذا الإسم عليه في عام 1969م وأختير الرئيس الفخري للنادي ، كما تأسس فرع للنادي في الكويت .
" لقد رحل رجل نزيه وكادر كفؤ ترك لنا أثره الطيب وانجازاته المختلفة".
غادرنا عبيد الحمر في وقت يكون فيه الوطن في حاجة إلى أمثاله من الرجال الأكفاء المُخلصين ، في وقت أحوج مايكون إلى رجال يشتغلون على المال والإقتصاد أكثر من أي وقت ، ويحاربون الفساد الذي ينخر جسد الدولة وجسم الوطن والمواطن ..أكثر مايحتاج إلى ثرثرة السياسيين ووعودهم الكاذبة، وأكثر ممايحتاج إلى مشعلي الحروب وزارعي الموت.
خرج عبيد الحمر من الوظيفة كما دخلها في صمت وسلام كما دخل الدنيا وخرج منها بسيرة عطرة وسمعة طيبة، وذاكرة للأجيال بأن النزاهة هي الأصل والفساد وسرقة المال العام هو الإستثناء بعكس ما يروج له الآن حيث تفتح الأبواب على مصراعيها للفاسدين، وتسد في وجه النِزّاه!
تمنيت أن أكتب الكثير عن عبيد الحمر، وتلومني الزميلة ضياء سروري على تلك الكتابة بعد الموت..
ماذا أفعل ياعزيزتي ضياء إن كنا أمة تحتفي بالموت أكثر مما تحتفي بالحياة! أنظري إلى أسماء شوارعنا ، مدارسنا، مساجدنا، ساحاتنا، تجديها بأسماء أموات!.
ربما نحبهم لأعمال- لم نعد نذكرها أوتعني لنا شيئًا في زمننا هذا - استحقوا من أجلها أن نخلدهم ، لكن بعضهم لايعنون لنا الكثير، إلى درجة نسمح لهم فيهاأن يعيشوا بين ظهرانينا كل الوقت !!
أعذريني ، لم استطع أن أكتب عن عبيد الحمر في حياته، عن نزاهته، وكفاءته، وطيبته المتناهية..ربما ذكرني به الموت!
وهذه إحدى مزايا الموت انه يذكرنا بأن هذه الحياة قصيرة
وان هذه الدنيا فانية، ولايبقى إلا وجه الله الكريم ، ولايبقى من الإنسان إلا الذكرى الطيبة وعمله الصالح..
وليعذرني عبيد الحمر ، فهذه الكلمات لاتفيه حقه، ولست أملك كل أوحتى بعض تفاصيل حياته، حتى أتوغل في صفاته الأكثر عمقًا،فرجل مثله بعيد عن الأضواء، رغم حضوره ، لم أجد سوى هذه الكلمات القليلة التي أعبر فيها عن حزني وحبي لرجل لم استطع أن اكتب عنه في حياته..
كم أنا حزين للوضع الذي آلت إليه بلادنا ، وكم أنا حزين جدًا لأن أمثال عبيد الحمر ، وفرج بن غانم ، لم يعطوا الوقت الكافي
ربما لصنعوا لهذه البلاد نهاية مختلفة !
وربما كانا جاءا في الزمن الخطأ
ويصلحان لزمن آخر ....!