ستظل الأنيس الذي نحتاجه كلما ضللنا الطريق
كان إنساناً صادقاً مع نفسه ومع غيره، لا يخشى قول كلمة حق، أمام مخطئ أو سلطان جائر أو كائن من كان. ذلك هو الرجل الوطني، السياسي، المثقف والمتواضع في تعامله مع الآخرين، ابن عدن، الاستاذ أنيس حسن يحي الذي لم تغرّه الحياة الدنيا؛ فأحبه الناس ولم يجد أحدٌ منهم صعوبة في الوصول إليه والحديث معه؛ فلم يكن محاطاً بحراسات بشرية أو كلاب بوليسية ولم يكن يملك سيارة خاصة أو سيارات من تلك التي نراها برفقة الساسة الكبار أو الصغار.
كان عندما يتحدث، يصمت الجميع وتشخص الأبصار نحوه والآذان صاغية إلى ما يقول؛ فقد كان معروفاً بحكمته ومنطقية آرائه وأفكاره السياسية. ولم يكن منحازاً إلا إلى الحق وإلى الشعب. من منا لا يتذكر موقفه الثابت والصارم أمام قضية الأرضية التي كان شباب المنصورة يطالبون بتخصيصها ملعباً ومتنفساً لهم، حيث كانت مدينة المنصورة تفتقر إلى مثل هذه المتنفسات وكانت حمى نهب الأراضي وبناء العشوائيات قد بدأت، في التسعينيات، أي بعد كارثة(الوحدة). وبسبب موقفه ذاك، تعرض لمحاولة اغتيال حقيرة، نجا منها بأعجوبة.
بسبب مواقفه الوطنية الثابته، كان يتعرض، في كل منعطف سياسي، في دولة الجنوب، للأحكام الجائرة في حقه. وبعد الوحدة المشؤومة وبالذات بعد احتلال عدن من قبل نظام عفاش العسكري، القبلي، المتخلف، حُكم عليه بالاعدام غيابياً، من قبل عفاش.
يُعد المناضل الفقيد أنيس حسن يحي من العناصر الوطنية والسياسية التي كان لها وزنها السياسي على المستوى العربي والعالمي، منذ تأسيس حزب البعث في الجنوب، ثم تغييره إلى حزب الطليعة والذي خاض غمار النشاط الوطني ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب، مستقطباً، بين صفوفه، أعداداً كبيرة من طلاب وشباب عدن، المثقف والواعد، لذلك كان الحزب من أبرز مكونات وفصائل العمل الوطني التي اندمجت في التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية عام ١٩٧٥م والذي شهدت الدولة، بعد تأسيسه، مرحلة تاريخية متقدمة في مختلف مجالات الحياة، خاصة في مجال الثقافة والاعلام والاقتصاد والمجال الأخير، حقق تنمية غير مسبوقة. وقد عُين، المغفور له، وزيراً للثروة السمكية. حينذاك، كانت سياسة بلادنا تسير وفق النظام الاقتصادي المتقدم، برسم الخطط المزمنة، الثلاثية والخمسية؛ فشيدت المصانع والمعامل وانتعشت زراعة القطن وتم تأسيس محالج القطن في محافظة لحج، كما انتعش تصدير الأسماك التي تزخر بها بحارنا؛ فشيدت مصانع تعليب الأسماك في أبين وحضرموت.
عديدة هي المحطات التاريخية لفقيد الوطن، الرجل المثقف والسياسي والاقتصادي والمفكر، أنيس حسن يحي الذي حفر بصماته في جبين الوطن ولن تمحى على مر الزمن، ستبقى ذكراه في وجداننا، ما حيينا وفي وسِفر تاريخ الجنوب السياسي والوطني.
(في ذكرى الأربعين لوفاة فقيد الوطن)