عدن ليست مجرد ميناء يطل على البحر، بل عقدة الاقتصاد اليمني ومفتاح الجنوب وبوابة المنطقة الى العالم. ومع ذلك، أُديرت لعقود بعقلية الهامش؛ تُستنزف مواردها وتُعطَّل إمكاناتها ويُختطف قرارها. لذلك لم يعد الحديث عن تحويلها الى إقليم اقتصادي وإداري وسيادي مستقل خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل شرطاً لبقائها مدينة فاعلة لا مدينة مستهلكة، بصرف النظر عن اهواء القوى المتصارعة. وهي جديرة بهذا الموقع لما تمتلكه من خصائص فريدة، ابرزها ما يلي:

اقتصادياً، تمتلك عدن كل ما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً: موقع بحري استثنائي، ميناء تاريخي، بنية قابلة للتطوير، وقرب من خطوط التجارة العالمية. غير أن هذه المقومات ظلت اسيرة البيروقراطية والصراعات ومراكز النفوذ البعيدة عن مصالح المدينة. لذلك فإن منحها استقلالاً إدارياً واقتصادياً لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة ملحّة تعني ببساطة أن تُتخذ القرارات حيث توجد المصلحة الحقيقية، في عدن نفسها وليس في غرف السياسة المتصارعة.

إدارياً، لا تفتقر عدن الى الخطط ولا الى الكوادر المؤهلة، لكن المشكلة الرئيسة هي في غياب السلطة المستقرة القادرة على التنفيذ. فالتداخل بين صلاحيات المركز والمحلي، وتعدد مراكز القرار، جعلا المدينة بلا قيادة واضحة تمسك بدفة العمل. لذلك فإن تحويلها الى إقليم مستقل يعني إدارة سريعة، مؤسسات واضحة، ومساءلة مباشرة امام السكان، لا امام توازنات السياسة ومكاسبها الضيقة.

اما سيادياً، فقد دفعت عدن ثمناً باهظاً لتحويلها الى ساحة نفوذ تتصارع عليها القوى المختلفة. والاستقلال السيادي ليس انفصالاً عن محيطها، بل تحصينٌ لقرارها كي تُدار مواردها لصالح اهلها، لا لصالح صراعات الآخرين. فمدينة بهذا الوزن لا يجوز أن تبقى رهينة حسابات متنافسة او مصالح سياسية ضيقة، ترى فيها فقط ورقة نفوذ او أداة في معادلات لا تخدم مستقبلها.

وإشارة الى هوية عدن، فإنها تتجسد في تنوعها الإثني الذي رافق نشأتها وما يزال حاضراً حتى اليوم، مما منح سكانها شخصية مدنية فريدة، امتزجت فيها عادات وتقاليد عدة شعوب، فشكلت مجتمعاً مدنياً متسامحاً. هذه الهوية تستدعي اطار حكم يحميها ويطورها، لا يذيبها صراع الريف، ولا السياسة، ولا السلاح.

اليوم، بات واضحاً أن عدن حين تُحكم من خارجها تضعف. وحين تدير نفسها تزدهر. تحويلها الى إقليم مستقل اقتصادياً وإدارياً وسيادياً لم يعد خياراً سياسياً، بل شرط بقاء لمدينة يمكن أن تكون رئة الجنوب ومحرك اليمن كله.