في كل مخاضٍ سياسي، ينقسم الناس بين قوى الصراع، وأيّ كلام يُقال تجد له مؤيدين ومعارضين؛ قد تُمدَح وقد تُذمّ، وقد تُتهم أو تُشاد. غير أن ما يغيب عن أذهان كثيرين أن هناك تاريخًا يُدوَّن، والتاريخ لا يرحم.
مهما اختلفنا أو اتفقنا، فإننا اليوم نرى مؤشرات واضحة تُحقّق ما كنا نطالب به منذ سنوات، حين كنا نصرخ في آذانٍ صمّاء لا تسمع ولا ترى.
منذ عهد عفّاش، كانت الفرصة متاحة لصناعة تاريخٍ مجيد، لكنه أضاعها. ثم تكررت الفرصة أمام المجلس الانتقالي، بقضية عادلة ودعمٍ غير محدود، ليصنع تاريخا عظيما، غير أن كليهما استبدّت بهما القوة، وغرّتهما العظمة، فطغيا وبغيا، ودخلا التاريخ من أسوأ أبوابه. سفكوا الدماء، ودمّروا المجتمع، وأنهكوا الوطن؛ سرقوا ونهبوا وبسطوا، فتحوا السجون والمعتقلات، ومارسوا الاغتيالات. ومهما حاول البعض تلميع صورتهما، فإن التاريخ قد سُجِّل، وهو لا يرحم. سيبقى يحكي للأجيال القادمة من كانوا، وماذا فعلوا، وكفى.
أما عدن، المدينة التي كان يُشار إليها بالبنان، فقد دمّرها الطيش السياسي والعجرفة على مدى ستين عاما. وكل مطالبنا وبياناتنا التي نادينا بها: ارحموا عدن، واتركوها تستعيد عافيتها لتكون مصدر خيرٍ ونماء لكم ولنا، قوبلت بعقلية الفيد التي لم ترَ فيها إلا غنيمة، وأُغلقت الآذان عن كل نداء، حتى اليوم.
فاليوم، وبكل أريحية، نسمع قرارا شجاعا بإخراج المعسكرات من عدن، وإنهاء المظاهر المسلحة. وهو بداية حقيقية لتحرير المدينة من العنف، ومن عسكرة الحياة، ومن الهيمنة القبلية والعسكرية. بداية لتستعيد عدن عافيتها، وطابعها المدني، وتعايش كل أطيافها من أعراق وثقافات وعقائد وإثنيات، ويعود نموذج عدن الراقي بعد أن تتخلّص مما فُرض عليها من تخلّف، وكراهية، وعنصرية، وتفاهات العقلية القبلية.
إن التاريخ سيسجّل هذا القرار، وما سيتبعه من إصلاحات، بوصفه بدايةً لاستعادة الدولة، ويتنفّس المواطن عدلا وحريةً ومساواة.
وبداية لتعود عدن رائدة، تقود التحول نحو مستقبلٍ وضّاء.