عدن وعقدة السلطة هل حان الوقت لتجريب غير المجرب ؟
من المؤسف حقاً أن نرى دوامة التداول على السلطة في الدول النامية ، ومنها دول عالمنا العربي والإسلامي ، لا تستقيم غالباً إلا على حد السيف ، فإما حرب أهلية طاحنة ، وإما انقلاب عسكري ليفرض شرعية القوة . وحتى عندما تفتح صناديق الاقتراع في مواسم الانتخابات ، فإنها في كثير من الأحيان لا تعدو كونها مسرحيات صورية تهندَس نتائجها سلفاً لصالح قوى النفوذ وهيمنة الأمر الواقع .
وفي اليمن، لسنا ببعيدين عن هذا المشهد القاتم ، بل إننا نعيش تفاصيله المريرة منذ ستينات القرن الماضي . فالسلطة هنا بقيت أسيرة الغلبة والقهر ، مما يضعنا أمام تساؤل جوهري وملح ، طالما أن النخب الفاسدة التي تناوبت على حكمنا قد جربت مراراً وتكراراً ، ولم تورث البلاد والعباد سوى الفشل والدمار ، فلماذا لا نجرب ( الغير مجرب ) ولماذا نستمر في إعادة إنتاج ذات الوجوه والسياسات ونحن نتوقع نتائج مختلفة ؟.
لقد كانت مدينة عدن الباسلة ، عبر محطات التاريخ المعاصر ، المسرح الأكبر وضحية الصراعات الدورية المحلية والدولية على السلطة . والمفارقة المؤلمة هنا ، أن عدن تكاد تكون المدينة الوحيدة التي حرموا أبناؤها وتم مصادرة حقوقهم السياسية والمدنية . لقد أُقصي أبناء عدن عن حقهم الطبيعي والمشروع في إدارة مدينتهم ، والحفاظ على أمنها ، وحماية هويتها والحفاظ على مدينتها الثقافية والحضارية والإنسانية المتفردة . إن المراهنة اليوم على قوى أو نخب جديدة لم تتلوث بفساد الماضي قد تكون هي المخرج الوحيد لتحقيق الإنصاف لعدن ، ورفع المظلومية التاريخية عن أبنائها ، واستعادة الهوية العدنية التي طمست بفعل دورات العنف المتتالية .
إن المتأمل في واقعنا اليوم يدرك أن ثقافة العنف والعنف المضاد لم تكن يوماً خياراً شعبياً ، بل هي ثقافة دخيلة اخترقت جسد المجتمع اليمني من بوابة الارتهان والعمالة والارتزاق الخارجي . ونتيجة لذلك نرى سلطة مايسمى المجلس الرئاسي المعين سعوديا ويسمى شرعية وهي في الحقيقة سلطة أمر واقع مخافلة للدستور بالتالي فاقد الشئ لا يعطيه ، غارقة في مستنقع الفساد والفشل ، وعاجزة عن تقديم أبسط مقومات الحياة ، لقد دمرت هذه السياسات العقيمة الوطن ، وتركت المواطن المطحون يئن بين فكي الغلاء الفاحش ، والفقر المدقع ، وتفشي الأمراض ، والانعدام التام للخدمات الأساسية .
إن استمرار هذا الوضع انتحار جماعي ، ولتصحيح المسار يبدأ أولاً بلفظ هذا الواقع الفاسد ، ومنح الفرصة لأصحاب الأيادي البيضاء ، الوطنيين الشرفاء الأحرار بإدارة البلاد ، وإعادة الاعتبار للمدن المظلومة وعلى رأسها عدن .