سلطة المحاصصة وانحناء الظهور
تشير القراءة الفاحصة للسلوك السياسي اليومي في عدن وما تعرف بالمناطق المحررة إلى وجود توافق ضمني على سلطة محاصصة تجسد في جوهرها سلطة أمر واقع ، تتقاسمها ما تسمى بـالشرعية والمجلس الانتقالي. هذا التقاسم الذي يُنظر إليه كحل توافقي ، يبدو في نظر الكثيرين محاولة لتنفيذ أجندات وتفاهمات إقليمية تلبي مصالح أطراف خارجية في اليمن ، بعيداً عن الثوابت الدستورية والقانونية .
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الشعارات المرفوعة ، سواء تلك المتعلقة بالشرعية أو الداعية لانفصال الجنوب ، تظل في كثير من الأحيان غطاءً سياسياً للمشاركة في السلطة وغنائمها. ومع تصاعد الخلافات حول فرض الهيمنة والنفوذ بين شركاء هذه المعادلة ، طفت إلى السطح ما يمكن وصفها بـحرب الأزمات المفتعلة ، حيث يُستغل ملف الخدمات الأساسية كأداة للضغط والإفشال المتبادل .
لقد كان المواطن ، ولا يزال المتضرر الوحيد من هذه الصراعات السياسية ، إذ دفع ثمنها من استقراره ، ومعيشته ، وسيادة قراره الوطني المستقل . وتجلت آثار هذه السياسات في إفقار الشعب ، وتراجع مستويات التعليم والصحة ، وتدهور البنية التحتية من طرقات وشبكات صرف صحي ، فضلاً عن الانهيار المستمر لقيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية ، وما ترتب عليه من غلاء فاحش ينهش القوت اليومي للأسر .
أمام هذا الوضع المأساوي، يجد المواطن نفسه غارقاً في دوامة البحث عن مقومات الحياة الأساسية ، وملاحقة مستحقاته من الرواتب الرسمية والموسمية للموظفين المدنيين والعسكريين، في وقتٍ تصرف فيه مخصصات تشكيلات أخرى بانتظام . هذا الانشغال اليومي بتأمين البقاء لم يكن يوماً دليلاً على رضا الشعب أو سلبيته ، بل هو نتاج قسوة الظروف التي فرضتها قوى الأمر الواقع لحماية مصالحها وضمان الإفلات من المساءلة والمحاسبة .
إن المحصلة النهائية لهذا المشهد هي التفريط في الثروات الوطنية والقرار المستقل مقابل مكاسب سلطوية ضيقة . ورغم قتامة هذا الواقع المأزوم، فإن القوانين التاريخية والاجتماعية تؤكد أن استمرار الأزمات والفساد لا يمكن أن يدوم، وأن تطلع المجتمعات نحو العدالة وسيادة القانون كفيل بفتح سجلات المحاسبة ، واسترداد الأموال المنهوبة ، وإعادة الاعتبار لكرامة المواطن وسيادة الوطن