هل استأذنت التحالف؟.. حكاية وطن يحتاج إلى ولي أمر
يبدو أننا أخطأنا في فهم معنى الوطن.
كنا نظن أن الوطن هو الأرض والناس والتاريخ والذاكرة، وأن المكونات السياسية تنشأ من حاجات المجتمع، وأن القرار الوطني يصنعه أبناء الوطن.
ثم اكتشفنا أننا كنا ساذجين جدا!
ففي زمننا الجديد، إذا أردت أن تؤسس مكونا جنوبيا، لا يكفي أن تكون جنوبيا، ولا أن تحمل مشروعا، ولا أن تكون لديك رؤية.
هناك سؤال أهم:
هل استأذنت السعودية؟
وإذا قلت: لا.
ينظرون إليك باستغراب:
كيف يعني لا؟!
ثم يأتي السؤال الآخر:
والإمارات؟ هل هي موافقة؟
فإذا قلت: لا.
بدأت علامات الشك تظهر على الوجوه، وكأنك ارتكبت خيانة عظمى.
أما إذا قلت: نعم، فمرحبا بك... تفضل، مشروعك أصبح شرعيا!
يا للهول!
حتى الاستقلال السياسي أصبح يحتاج إلى ولي أمر.
نحن الذين كنا نتحدث عن التحرر من الوصاية، أصبحنا اليوم نبحث عن وصي جديد، لا لنعترض عليه، بل لنستأذنه.
والأكثر إيلاما أن البعض لم يعد يرى مشكلة في ذلك.
بل أصبح يعتبرها قاعدة طبيعية:
لا مكون بلا راع، ولا قيادة بلا داعم، ولا مشروع بلا تمويل، ولا اجتماع بلا دعوة، ولا موقف بلا ضوء أخضر.
وبقي الوطن وحده خارج قاعة الاجتماع!
يجلس في الممر، ينتظر أن ينتهي السادة من ترتيب مستقبل أبنائه.
المضحك المبكي أن بعضهم عندما يسمع عن مكون يقول: نحن لا نتبع السعودية ولا الإمارات، لا يفرح باستقلاله، بل يصاب بالريبة:
إذن من يدعمكم؟
نقول: لا أحد.
فيعود السؤال:
مستحيل!
وكأن فكرة أن يعمل الإنسان من أجل وطنه بماله ووقته وقناعته أصبحت من عجائب الدنيا.
وكأن الوطني لا بد أن يكون له حساب في بنك خارجي، وغرفة في فندق، ومخصص شهري، ورقم شخص مسؤول يتصل به عند الحاجة.
أما من يأتيك حاملا أوراقه وأفكاره، ويقول لك: لدينا مشروع وطني...
فهذا إنسان مشبوه!
لماذا؟
لأنه لم يقدم لنا اسم الراعي.
لقد ذهبنا نحن أيضا.
ولم ندع يوما أننا ملائكة لا نذهب إلى أحد.
ذهبنا، ورأينا، وجلسنا، وشاهدنا كيف يعيش البعض.
فنادق، مواعيد، سيارات، موائد، جلسات، لقاءات، وأبواب تفتح وأخرى تغلق.
ثم عدنا إلى "العزبة".
ولم نشعر أننا خسرنا.
قد تكون الغرفة عندهم أكثر برودة، والمائدة أكثر امتلاء، والبدل أكبر، لكننا عدنا بشيء لا توفره الفنادق:
راحة الضمير.
نحن لا نملك غرفة فندقية تنتظرنا، لكن لدينا غرفة في الوطن.
ولا نملك مخصصا بالدولار، لكن لدينا فكرة نؤمن بها.
ولا نملك من يفتح لنا الأبواب، لكننا لا نخجل من الوقوف أمام أبواب وطننا.
وهذه ليست بطولة.
هذه أبسط درجات الكرامة.
المشكلة أن المشروع الوطني عندما يقترب من بعض الوجوه، يفسد مزاجها.
تقول: نريد دولة.
يتجهمون.
تقول: نريد قرارا مستقلا.
يصمتون.
تقول: نريد مؤسسات.
يتململون.
تقول: لا نريد وصاية من أحد.
هنا تبدأ الحمى!
ثم يأتي السؤال التاريخي العظيم:
طيب... السعودية موافقة؟
يا أخي، نحن نتحدث عن وطن!
ليس عن رحلة سياحية تحتاج إلى تأشيرة.
وليس عن حجز فندق يحتاج إلى تأكيد.
وليس عن مشروع تجاري يحتاج إلى شريك.
إنه وطن!
وإذا كان الوطن لا يستطيع أن يتنفس إلا بإذن الآخرين، فالمشكلة ليست في الآخرين وحدهم، بل فينا نحن أيضا.
والأشد مرارة أن بعض الناس أصبحوا يقيسون وطنية الشخص بحجم قربه من هذه العاصمة أو تلك.
من يقرب من السعودية فهو مهم.
ومن يقرب من الإمارات فهو مهم.
ومن لديه علاقة بإيران يصبح مهما عند طرف آخر.
ومن يعرف أمريكيا أو بريطانيا يصبح فجأة "شخصية دولية".
أما المواطن الذي لا يعرف إلا الناس في حارته، ويعيش من راتبه، ويحمل مشروعا وطنيا...
فهذا يحتاج إلى تعريف!
يا وطن، سامحنا.
لقد تغيرت المقاييس.
أصبح القرب من الخارج شهادة خبرة، والاستقلال عن الخارج تهمة.
لكنني أقولها بوضوح:
لسنا ضد السعودية.
ولسنا ضد الإمارات.
ولسنا ضد أي دولة تريد علاقة محترمة مع اليمن أو الجنوب.
نحن ضد أن تتحول العلاقة إلى وصاية.
ضد أن يتحول الدعم إلى تبعية.
ضد أن يتحول المال إلى قرار.
وضد أن يصبح السياسي موظفا لدى الجهة التي تموله.
نريد علاقات متوازنة مع الجميع، لكننا نريد أن يبقى قرارنا لنا.
فالذي يطلب من الخارج أن يساعده، لا عيب عليه.
أما الذي يطلب من الخارج أن يفكر بدلا عنه، ويقرر بدلا عنه، ويتحدث باسمه، فهنا تبدأ المأساة.
آه يا وطن...
ما أقسى أن ترى أبناءك يتنافسون على أبواب الآخرين، بينما أنت تقف وحيدا تنتظر من يلتفت إليك.
ما أقسى أن يصبح السؤال عن المشروع:
من يمولكم؟
بدلا من:
ماذا تريدون لوطنكم؟
وما أقسى أن يصبح بعض الناس أكثر خوفا من غضب الراعي من غضب الشعب.
لكن سيبقى هناك من يرفض هذه اللعبة.
سيبقى من يقول:
لا نريد أن نكون أتباعا لأحد.
لا نريد أن نبيع قرارنا.
لا نريد أن نستأذن أحدا كي نحب وطننا.
لا نريد جنوبا سعوديا، ولا جنوبا إماراتيا، ولا جنوبا إيرانيا، ولا جنوبا أمريكيا أو بريطانيا.
نريد جنوبا يمتلك قراره، ويحترم جيرانه، ويتعامل مع العالم بندية، ويعود في النهاية إلى شعبه.
وإذا كان هذا الكلام يزعج البعض...
فليعذرونا.
فنحن، على الأقل، نريد أن نعيش في وطن لا يحتاج إلى ولي أمر سياسي حتى يسمح لأبنائه أن يفكروا.