حين تُقصف أرزاق اليمنيين: من يعوّض المقاولين والتجار؟
صوت عدن/ تقرير خاص:
ليس كل هنجر موقعًا عسكريًا، ولا كل حوش يضم معدات وآليات منشأة تابعة لمليشيات الحوثي. وبين مواجهة جماعة مسلحة وتدمير ممتلكات القطاع الخاص، فارق لا يجوز أن يضيع تحت دخان الحرب. فالشرعية التي يُفترض أن تحمي اليمنيين وممتلكاتهم مطالبة بأن تجعل التمييز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية مسؤولية أساسية، لا تفصيلًا يمكن تجاوزه.
وتطرح واقعة تعرض هنجر وحوش تابعين لأحد المقاولين اليمنيين، بحسب المعلومات المقدمة، للقصف في منطق شرق المخا ، أسئلة جادة بشأن التحقق من طبيعة المنشآت وملكيتها قبل استهدافها. وتُظهر الصور المرفقة مركبات متفحمة، ومعدات متضررة، وهياكل معدنية منهارة، وأجزاء مهدمة من مبانٍ داخل الموقع. لكنها، بمفردها، لا تحدد الجهة المنفذة أو تثبت ملابسات الاستهداف؛ ولذلك فإن الواقعة تستدعي تحقيقًا واضحًا، لا اتهامات متبادلة تنتهي بضياع حقوق المتضررين.
* مواجهة الحوثيين ليست مبررًا للاشتباه بالجميع
بحسب رواية المتضرر المقدمة، فإن الموقع ملك خاص لمقاول يمني، وليس منشأة عسكرية تابعة للحوثيين. وإذا ثبتت هذه الرواية، فإن ما حدث يضع الجهات المسؤولة أمام سؤال مباشر: على أي أساس اتُّخذ قرار الاستهداف؟ وهل جرى التحقق من هوية المالك، وطبيعة النشاط، واستخدام المعدات الموجودة في المكان؟
لا يكفي أن تقع منشأة في منطقة صراع حتى تصبح هدفًا مباحًا، ولا يجوز التعامل مع ملكية خاصة باعتبارها امتدادًا للحوثيين بمجرد الاشتباه. والمطلوب من الشرعية، ومن أي قوات تعمل باسمها أو تحت مظلتها، ألا تكتفي بإعلان مواجهة المليشيات، بل أن تثبت أيضًا قدرتها على حماية من لا علاقة لهم بهذه المواجهة.
أما إذا كانت الجهة المنفذة غير محسومة، فواجب السلطات أن تعمل على كشفها، وأن تبيّن للرأي العام ما حدث، بدل ترك صاحب المنشأة وحيدًا أمام الخسارة والغموض.
* ليست مجرد معدات محترقة
بالنسبة إلى صاحب المنشأة، قد لا يكون الحوش مجرد مساحة، ولا الآليات مجرد قطع حديد؛ فقد تمثل حصيلة سنوات من العمل، والتزامات مالية، ومصدر رزق لأسر وعمال. وحين تُدمَّر هذه الممتلكات، لا تتوقف الخسارة عند كلفة إصلاح المبنى أو شراء معدات بديلة، بل قد تمتد إلى توقف النشاط وتعثر العقود وفقدان الدخل.
ومن هنا تأتي خطورة التعامل مع خسائر القطاع الخاص باعتبارها أضرارًا هامشية للحرب. فالتاجر والمقاول ليسا طرفًا مسلحًا لمجرد امتلاكهما شاحنات أو مولدات أو معدات ثقيلة. ولا ينبغي أن يتحول نشاطهما الاقتصادي إلى شبهة، أو أن يصبح إثبات براءتهما مهمة تبدأ بعد احتراق ممتلكاتهما.
* من يحقق… ومن يعوّض؟
السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: من يعوّض هؤلاء التجار والمقاولين إذا ثبت تضرر ممتلكاتهم نتيجة استهداف خاطئ أو غير مشروع؟
المطلوب تحقيق مستقل وشفاف يحدد الجهة المنفذة، والأساس الذي بُني عليه الاستهداف، وما إذا اتُّخذت إجراءات للتحقق من طبيعة الموقع. ويجب أن يصاحب ذلك توثيق مهني للأضرار، وحصر للممتلكات المتضررة، وإتاحة مسار واضح لأصحابها لتقديم مطالباتهم ومتابعتها.
أما التعويض، فلا ينبغي أن يُطرح بوصفه منّة أو مساعدة عابرة، بل بوصفه استحقاقًا تحدده نتائج التحقيق والمسؤولية المثبتة. ولا معنى للاعتراف بالخطأ إذا بقي المتضرر يدفع ثمنه وحده، بينما تضيع قضيته بين الجهات والوعود.
الشرعية تُختبر في حماية الحقوق
الانتقاد هنا ليس دعوة للتهاون مع الحوثيين، بل رفض لخلطهم بالمواطنين وأصحاب الأعمال. فمواجهة المليشيات لا تمنح أحدًا حصانة من المساءلة، والحديث باسم الدولة يفرض مسؤولية أكبر في التحقق، وحماية الممتلكات، وإنصاف المتضررين.
على الشرعية أن تجيب عن هذه الواقعة بوقائع موثقة وإجراءات معلنة. فإذا وقع خطأ، فلتُحدَّد المسؤولية ويُجبر الضرر؛ وإذا كانت هناك رواية أخرى، فلتُعرض بأدلتها. أما الصمت، فلا يعيد لصاحب المنشأة معداته، ولا يطمئن بقية التجار إلى أن ممتلكاتهم لن تصبح الهدف التالي لاشتباه لم يُتحقق منه.
