صوت عدن 
عمان - مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن:
 
شكراُ لك السيدة الرئيسة، يواجه اليمن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، خطر العودة إلى نزاع واسع النطاق منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.

شهدت الجبهات تصعيداً عسكرياً، حيث أسفرت الهجمات الأخيرة التي شنّتها أنصار الله في مأرب وحضرموت والمخا ومناطق أخرى عن سقوط ضحايا عسكريين ومدنيين. وفي ظل الضغوط الشديدة التي تتعرض لها التجارة الإقليمية وتدفقات الطاقة جراء الأزمة في مضيق هرمز، فإن تجدد هجمات أنصار الله على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن- التي أدانها المجلس في بيانه الأخير- تُنذر بتعميق تورط اليمن في المواجهة الإقليمية الأوسع. كما تُعرّض هذه الهجمات حياة البحارة للخطر؛ فقبل يومين، أسفر هجوم صاروخي على إحدى السفن عن مقتل عدد من أفراد طاقمها.

وكانت التوترات قد بدأت بالتصاعد بالفعل قبل هذه التطورات. ففي تموز/يوليو، أعقبت رحلة جوية، غير مصرح بها من طهران باتجاه صنعاء، ضربات جوية على مطار صنعاء، ومن ثم هجمات صاروخية على مطار أبها ومنشآت نفطية في المملكة العربية السعودية.

السيدة الرئيسة، أود أن أكون واضحاً بشأن ما قد يخسره اليمن إذا استمر في هذا المسار. فعلى مدى أربع سنوات، وحتى بعد انتهاء مدتها الرسمية بوقت طويل، حافظت الهدنة على هدوء نسبي على خطوط المواجهة في اليمن. ومن اللافت أن هذا الهدوء ظل سائداً إلى حد كبير داخل اليمن حتى في خضم الاضطرابات الإقليمية منذ عام 2023، ما أتاح للمدنيين أطول فترة تهدئة منذ بدء النزاع. لكن، وكما أكدت مراراً، صُممت الهدنة كوسيلة لا غاية. وكان هدفها الأساسي تمهيد الطريق لمفاوضات حول تسوية شاملة للنزاع. وقد انخرطت الأطراف في وضع خارطة طريق لتحقيق هذه الغاية، لكن هذا الجهد تعثر في أعقاب التصعيد الإقليمي عام 2023، ولم يتطور في نهاية المطاف إلى عملية سياسية. وفي غياب تقدم في العملية السياسية، لا يمكن للهدوء الذي أرسته الهدنة أن يدوم إلى الأبد.

إن أي عودة إلى قتال واسع النطاق في اليمن في هذه المرحلة ستأتي في وقت عصيب: فمؤسسات الدولة اليمنية تعاني انقسامات جراء أكثر من عقد من النزاع، ولم يعد لدى اقتصادها سوى هامش ضئيل لاستيعاب صدمة أخرى، فيما المنطقة بأسرها غارقة في أتون الحرب. أما بالنسبة لليمنيين، فتجدد الحرب سيضع مرة أخرى أبسط طموحاتهم — في الدراسة والعمل وبناء حياة — رهينة للنزاع. وسيعني ذلك إرسال جيل جديد إلى الجبهات، بدلًا من منحه فرصة لإعادة تصور مستقبل بلده وإعادة بنائه. أما بالنسبة لهذا المجلس والمجتمع الدولي الأوسع، فسيعني ذلك اشتعال نزاع آخر في منطقة تعصف بها الحروب بالفعل.

السيدة الرئيسة، رغم خطورة هذه اللحظة، فإنني على قناعة بأنه لا يزال من الممكن إيجاد مخرج تفاوضي. خلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت انخراطي مع الأطراف اليمنية، بدعم من الأطراف الإقليمية، بما في ذلك من خلال عدة زيارات إلى الرياض ومسقط. وقد طرحت سبلاً لعكس مسار التصعيد وبلورة سبيل قابل للتحقق نحو حل سياسي. وقد حددت الحكومة اليمنية وأنصار الله بالفعل العديد من العناصر اللازمة لذلك، وهي عناصر معروفة أيضاً لدى هذا المجلس. كما يجري مكتبي مشاورات دورية مع مختلف فئات اليمنيين، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسائية، إذ يجب أن يأخذ أي مسار للمضي قدماً في الاعتبار أولوياتهم وأولويات عموم اليمنيين.

أولًا، يتعين على الأطراف خفض التصعيد فوراً والعمل نحو وقف راسخ لإطلاق النار. يجب استعادة الهدوء على خطوط المواجهة في اليمن. كما يجب وقف الهجمات والتهديدات ضد السفن، و الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. ويجب كذلك وقف الهجمات عبر الحدود. توجد بالفعل آلية لإدارة الحوادث وخفض التصعيد. فقد سبق أن اجتمع ممثلون عسكريون من الحكومة اليمنية وأنصار الله، إلى جانب قيادة القوات المشتركة بقيادة السعودية، تحت رعاية الأمم المتحدة من خلال لجنة التنسيق العسكري. وأحثهم على الاستفادة الكاملة من هذه القناة. كما أكرر دعوتي للأطراف إلى احترام التزاماتها بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

يتعين على الأطراف أيضاً حماية اليمن من الانجرار أكثر إلى دوامة التطورات الإقليمية المعقدة أصلاً. ومن خلال خفض التصعيد، عليهم إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية لليمن. وقد شددت على هذه الضرورة في جميع لقاءاتي.

أما المتطلب الثاني فهو خفض التصعيد الاقتصادي. فقد أصبح اقتصاد اليمن نفسه خطاً للمواجهة، حيث باتت الرواتب والعملة والتجارة والإيرادات والنقل والخدمات الأساسية مسيّسة بشكل متزايد. وتتطلب معالجة هذه القضايا أن تفاوض الأطراف على ترتيبات تجعل مكاسب التعاون أكبر من مكاسب المواجهة. ومن شأن استئناف صادرات النفط، مع توفير ضمانات أمنية مناسبة لمنشآت الإنتاج والتصدير، أن يوفر مصدراً حيوياً للدخل وأن يدعم تعافي البلاد. ويجب أن يتمكن اليمنيون من التنقل بحرية في جميع أنحاء البلاد، وينبغي على الأطراف الاتفاق على تدابير لاستئناف الرحلات الجوية التجارية من وإلى مطار صنعاء. وقد كان هذا ممكناً في ظل هدنة عام 2022، ويمكن، بل ينبغي، أن يكون ممكناً مرة أخرى. كما يجب أن تستمر السفن التجارية في الوصول إلى المواني اليمنية، حاملةً الغذاء والسلع الأساسية الأخرى التي يعتمد عليها اليمنيون. كما ستحتاج الأطراف إلى التفاوض على ترتيبات مستدامة بشأن القضايا الاقتصادية التي تمس الحياة اليومية لليمنيين بشكل مباشر، بما في ذلك دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية واستعادة الخدمات الأساسية.

أما المتطلب الثالث فهو مواصلة الانخراط مع الأمم المتحدة لترسيخ هذه المكاسب وإعادة إطلاق عملية سياسية جامعة بقيادة يمنية. ويظل هذا المسار الوحيد الموثوق لإنهاء النزاع بشكل شامل، وضمان حل الخلافات عبر الحوار بدلاً من القوة، وإرساء مؤسسات شرعية خاضعة للمساءلة تعكس التنوع السياسي والاجتماعي في اليمن.

يمكننا تحويل هذه الخطة إلى واقع، لكن الوساطة لا يمكن أن تحل محل الإرادة السياسية. يجب على الأطراف اليمنية اختيار الحوار، ولديها كل الأسباب للقيام بذلك. لا يملك أي طرف التحكم في مآلات التصعيد؛ والمؤكد الوحيد هو أن الشعب اليمني سيدفع الثمن. تتطلب المفاوضات تقديم تنازلات، لكن بإمكان الأطراف أن ترسم مسارها، والشعب اليمني هو من سيجني ثمار ذلك.

السيدة الرئيسة، قبل الختام، أود إطلاع المجلس على مسألتين أخريين. أولًا، كما تذكرون أنه في مايو/أيار، اتفقت الأطراف، برعاية الأمم المتحدة، على إطلاق سراح أكثر من 1,600 محتجز على خلفية النزاع. وتجري التحضيرات لتنفيذ عمليات الإفراج، وإن كانت ببطء، ويساورني القلق من أن يؤدي التصعيد الأوسع إلى مزيد من التعطيل لهذه العملية. وقد أكدت الأطراف التزامها لي، وأنا أرحب بهذه التأكيدات. إلا أن الالتزام يجب أن يُترجم إلى تنفيذ. أحث الأطراف على التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لاستكمال التحضيرات الفنية والتشغيلية المتبقية بأسرع وقت ممكن.

ثانيًا، منذ فترة طويلة جداً، ما يزال ثلاثة وسبعون من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب زملاء من المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، محتجزين تعسفياً لدى أنصار الله. وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي تبذلها الأمم المتحدة للوصول إلى حل، لم نشهد بعد أي تقدم نحو الإفراج عنهم. وأحث هذا المجلس على إبقاء هذه القضية قيد اهتمامه واستخدام كل سبل التأثير المتاحة له للمساعدة على ضمان إطلاق سراحهم فوراً دون قيد أو شرط.

السيدة الرئيسة، إن أربع سنوات من الهدوء قد تتبددت في غضون أسابيع قليلة من التصعيد. لا أطلب من هذا المجلس اليوم مجرد بيانات دعم. بل أطلب من كل عضو لديه تأثير في الأطراف أن يستخدمه لتوجيه اليمن بعيداً عن ساحة القتال وإعادته إلى طاولة المفاوضات.


شكراً جزيلاً لكم.