صوت عدن / وكالات : 

عاد التصعيد بين صنعاء والرياض ليفتح باب التساؤلات مجددًا حول مستقبل المشهد اليمني وما إذا كانت التطورات الأخيرة قد تقود إلى مواجهة عسكرية جديدة أم أن جهود الوسطاء ستنجح في احتواء الأزمة وإعادة الأطراف إلى مسار التهدئة.
ويرى مراقبون أن الحرب البرية الشاملة لا تزال مستبعدة في المدى القريب، مع ترجيح استمرار سياسة الردع المتبادل بالتوازي مع تحركات سياسية غير معلنة لإبقاء باب التسوية مفتوحًا.
ما هي السيناريوهات الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة في العلاقة بين الرياض وصنعاء وأسوأ الفروض في الأزمة اليمنية؟
التهدئة أم العودة للحرب
بداية، يقول عضو مجلس النواب اليمني في صنعاء، الدكتور علي الزنم، إنه في ظل التصعيد الأخير بين صنعاء والرياض، يعود التساؤل حول الخيار الأكثر جدوى واستدامة: هل يكون المضي في مسار التهدئة والتصالح، أم العودة إلى المواجهة والتصعيد العسكري.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن السنوات الماضية شهدت حربًا امتدت قرابة ثماني سنوات، شاركت فيها دول عديدة ضمن تحالف عسكري، ويرى كثيرون أن استمرار النهج ذاته لن يؤدي إلى نتائج مختلفة، وأن تكرار التجربة لن يسهم في معالجة جذور الأزمة، بل قد يزيدها تعقيدًا.
وأوضح أن توسيع التحالفات العسكرية أو ضم دول جديدة، مهما بلغ عددها، لن يكون بديلًا عن معالجة أسباب النزاع والملفات الإنسانية العالقة ، مشيرًا إلى أن الوقت لا يزال متاحًا للتفكير بعقلانية، انطلاقًا من حق الجوار، والعمل على معالجة الآثار الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها سنوات الحرب على اليمن، وما ترتب عليها من معاناة واسعة للشعب اليمني.
وتابع الزنم أن الاحتمالات بشأن تطورات المرحلة المقبلة تظل مفتوحة على مختلف السيناريوهات، مع الأمل بأن تسود الحكمة، وتغلب لغة الحوار، لافتًا إلى أن بيان مجلس النواب في صنعاء تضمن دعوة إلى تجاوز المرحلة الحالية وفتح الباب أمام مقاربات سياسية تستحق الاهتمام والنقاش.
واستطرد قائلًا إن رؤية البرلمان تستند إلى أن العلاقات بين الشعبين اليمني والسعودي تمتد لعقود طويلة، وتربطهما روابط الجوار والقرابة والمصالح المشتركة، وأن أي تصعيد جديد ستكون له انعكاسات إنسانية واقتصادية وأمنية على الجميع. ومن هذا المنطلق، فإن إعطاء الأولوية للحوار والعمل على معالجة آثار الحرب وجبر الضرر قد يكون أكثر فائدة من استمرار الصراع الذي لا يجلب سوى مزيد من الخسائر واتساع دائرة الخلاف.
التحركات العسكرية
وأشار البرلماني اليمني إلى أن أطرافًا أخرى ترى أن التحركات الأمنية أو العسكرية السعودية تأتي استجابة لما تعتبره تهديدات لأمنها القومي أو للملاحة الإقليمية، وتستند في ذلك إلى اعتبارات سياسية وعسكرية تختلف بشأنها مواقف الأطراف المعنية، بينما يرى فريق آخر أن بعض هذه التحركات تصب في إطار خدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
وأوضح أن التطورات الأخيرة تشير إلى تصاعد مستوى التوتر بعد فترة من الهدوء النسبي، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع دائرة المواجهة مجددًا، وفي الوقت ذاته تتحدث تقارير عن تحركات مكثفة يقوم بها الوسطاء في محاولة لاحتواء الأزمة ونزع فتيل التصعيد، وصولًا إلى حلول منطقية تلبي تطلعات الشعب اليمني إلى الأمن والاستقرار.
وشدد الزنم على أن صنعاء في جهوزية عالية، وأن ما تحقق من تطور في القدرات العسكرية أسهم في فرض معادلات ردع جديدة، وأن أي تصعيد قد يقابله تصعيد مماثل، وهو ما يجعل خيار التهدئة أكثر أهمية لجميع الأطراف.
واختتم قائلًا إن السلام المستدام يظل الخيار الأكثر حكمة، لأنه يحد من الخسائر البشرية، ويهيئ الظروف لمعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية العالقة، فمهما اختلفت المواقف السياسية فإن استقرار المنطقة وخفض التصعيد يصبان في مصلحة شعوبها، ويفتحان المجال لبناء مستقبل يقوم على الحوار والتفاهم بدلًا من استمرار النزاع وإدارة الأمور بالأزمات.
حرب برية شاملة أم مواجهات محدودة
في المقابل، يرى رئيس مركز جهود للدراسات في اليمن، الدكتور عبد الستار الشميري، أنه لا توجد مؤشرات على اقتراب حرب برية شاملة، وإنما استنزاف محدود على مختلف الجبهات.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن هذا النمط من العمليات يتكرر بين الحين والآخر بحسب احتياجات الطرفين للضغط المتبادل أو لتحقيق مكاسب محدودة، أو بالتزامن مع مشاورات تتعلق بملف الأسرى أو الملفات الاقتصادية.
وأوضح أن ما جرى خلال الأسابيع الماضية عبارة عن عمليات محدودة، ورغم سقوط ضحايا فإن تأثيرها لا يزال محدودًا، مشيرًا إلى أن الطرفين ما زالا في تموضعاتهما العسكرية ذاتها منذ ما لا يقل عن ثماني سنوات، وأن آخر تقدم جغرافي واسع كان بسيطرة قوات الشرعية على محافظة شبوة الغنية بالنفط والغاز.
وأشار الشميري إلى أنه منذ عملية شبوة لم يحدث أي تغير ميداني كبير، وإنما استمرت عمليات الاستنزاف في جبهات متعددة، منها الجوف وتعز والضالع، وبدرجة أقل في مأرب.
وختم بالقول إنه حتى مسار المفاوضات والحل الشامل تبدو طرقه مسدودة، بينما يبقى المسار الثالث، وهو التهدئة والتبريد وتأجيل حسم القضية، هو الأكثر حضورًا. وأضاف: نحن في منطقة وسطى، لا حرب شاملة ولا سلام شامل، وإنما استنزاف محسوب وسلام مؤجل لا توجد مؤشرات حقيقية على اقترابه.
الردع لفرض التفاوض
من جانبه، يقول الكاتب والباحث السياسي اليمني وعضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، عدنان عبدالله الجنيد، إن السيناريو القادم في اليمن لن يكون بالضرورة حربًا برية شاملة، كما أنه لن يكون عودة تلقائية إلى التهدئة السابقة، بل إن المرحلة الجديدة يمكن وصفها بأنها "الردع لفرض التفاوض".
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن التجربة أثبتت خلال السنوات الماضية أن الخيار العسكري لم يتمكن من حسم المعركة اليمنية، وأن استمرار الحرب لا ينتج سوى مزيد من الاستنزاف، فيما أظهرت التطورات في البحر الأحمر أن تجاهل القدرات اليمنية أو محاولة فرض معادلات جديدة بالقوة قد يفتح تداعيات تتجاوز حدود اليمن لتطال أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
وتابع أن صنعاء، من وجهة نظره، لا تبحث عن حرب مفتوحة، وإنما عن تسوية عادلة تحفظ السيادة اليمنية، وتنهي الحصار، وتضع حدًا لمحاولات فرض الوصاية الخارجية، إلا أن مرحلة خفض التصعيد السابقة لم تعالج حتى الآن الملفات الأساسية.
وأشار إلى أن استمرار المماطلة أو محاولة إعادة إنتاج أدوات الحرب القديمة قد يدفع إلى تصعيد جديد، خصوصًا إذا اعتقد الطرف الآخر أن بإمكانه استخدام القوة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال سنوات الحرب.
هل الحرب البرية واردة؟
وأوضح الجنيد أن احتمال الحرب البرية قائم، لكنه لا يراه السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، موضحًا أن الحرب البرية في اليمن ليست قرارًا عسكريًا سهلًا، إذ أثبتت السنوات الماضية أن الجغرافيا اليمنية وطبيعة المجتمع وتماسك القوى المحلية تجعل الحسم العسكري الكامل شديد الصعوبة.
وأضاف أن أي حرب برية واسعة ستكون مكلفة لجميع الأطراف، ولن تقتصر آثارها على اليمن، بل ستمتد إلى أمن البحر الأحمر والاقتصاد الإقليمي وحركة التجارة والطاقة.
ولفت إلى أن من يفكر في العودة إلى الحرب البرية عليه أن يجيب أولًا عن سؤال جوهري: إذا لم تستطع الحرب السابقة تحقيق الحسم، فما الذي سيجعل الحرب الجديدة مختلفة؟
تسوية سياسية شاملة
ويرى الجنيد أن التهدئة والتفاوض ما زالا الخيار الأفضل، لكن التهدئة المطلوبة ليست مجرد تجميد مؤقت للجبهات، وإنما تهدئة تنتقل إلى تسوية سياسية واقتصادية شاملة.
وأوضح أن أي تفاوض جاد يجب أن يعالج الملفات الأساسية، وفي مقدمتها رفع القيود والحصار، ومعالجة الملفين الاقتصادي والإنساني، واحترام السيادة اليمنية، ووقف التدخلات الخارجية، ثم الانتقال إلى حوار سياسي شامل يضمن سلامًا مستدامًا، مؤكدًا أن اليمن لا يرفض السلام، لكنه يرفض السلام الذي يعيد إنتاج أسباب الحرب.
التصعيد أداة ردع لا غاية
وقال الجنيد إن معادلة التصعيد والحصار ينبغي فهمها باعتبارها رسالة ردع سياسية قبل أن تكون خيارًا عسكريًا، هدفها إيصال رسالة واضحة بأن محاولة فرض الحصار أو الضغط بالقوة لن تكون بلا كلفة.
وأضاف أنه إذا استمر التصعيد، فإن الخيارات أمام صنعاء لن تكون محصورة في جبهة واحدة، فالجغرافيا اليمنية تمنحها أوراقًا متعددة، وفي مقدمتها البحر الأحمر، إلى جانب أوراق سياسية واقتصادية وإقليمية أخرى، مؤكدًا أن امتلاك أوراق القوة لا يعني الرغبة في استخدامها جميعًا، لأن القوة الحقيقية تكمن في امتلاك القدرة على التصعيد مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا.
مخاطر اتساع المواجهة إقليميًا
ويرى الجنيد أن اتساع رقعة المواجهة يمثل الخطر الحقيقي، لأن اليمن لم يعد ملفًا منفصلًا عن التحولات الكبرى في المنطقة، موضحًا أن ما يحدث في فلسطين والبحر الأحمر والخليج والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران ينعكس مباشرة على المشهد اليمني.
وأضاف أن أي محاولة لفتح حرب واسعة في اليمن قد تنتج سلسلة من التداعيات الإقليمية التي يصعب على أي طرف التحكم في نتائجها، مشددًا على أن أمن البحر الأحمر لا يمكن ضمانه بالقوة وحدها، وإنما يحتاج إلى معالجة سياسية لجذور الصراع.
السيناريو الأكثر ترجيحًا
واختتم الجنيد بالقول إن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار التصعيد المحسوب بالتوازي مع اتصالات سياسية غير معلنة أو غير مباشرة، بحيث تواصل الأطراف رفع مستوى الردع والضغط للحصول على شروط أفضل، مع تجنب الوصول إلى حرب برية شاملة، لأن الجميع يدرك أن الحرب المفتوحة قد تكون أسهل في بدايتها من السيطرة على نتائجها.
وحذر من أنه إذا فشلت الدبلوماسية واستمر الرهان على القوة والحصار، فقد تنتقل المعادلة إلى مستوى أكثر خطورة، وعندها لن يكون السؤال: هل ستتصاعد الحرب؟ بل إلى أي مدى يمكن أن تتوسع جغرافيًا واقتصاديًا وإقليميًا.
وأكد في ختام حديثه أن اليمن يمد يده للسلام، لكنه لا يمدها للاستسلام، ويفتح باب التفاوض، لكنه لا يقبل أن يكون التفاوض غطاءً لاستمرار الحصار أو انتهاك السيادة، معتبرًا أن هذه المعادلة هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.